السيد علي الطباطبائي

292

رياض المسائل ( ط . ق )

منه التمشط والوضع في الرأس والمراد من السؤال في الروايتين عن كيفية عمله هو التحرز عن صيرورته بزيادة المكث خمرا نجسا يمتنع الصلاة فيه ولا يحل إذا تمشطن وإلا فهو ليس بمأكول ولا الغرض من السؤال عن كيفية عمله حل أكله حتى يكون الأمر بغليه على ذلك الوجه لأجله بل حل استعماله ومع هذا الاحتمال لا يمكن أن يستند إلى الروايتين سيما في تخصيص ما مر من الأدلة القطعية فإن بناءه على قطعية الدلالة أو قوتها وشيء منهما لا يتحقق مع هذا الاحتمال بلا شبهة وإن قلنا بمرجوحيته بالإضافة إلى الظاهر لعدم بلوغ هذه المرجوحية درجة يحصل فيها قوة الدلالة التي هي المناط في تخصيص الأدلة القاطعة وبهذا يجاب عن موثقتيه الآخرتين [ الأخريين الواردتين في الزبيب في إحداهما وصف إلى الصادق ع المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا فقال تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه وتصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإن كان أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش ثم تنزع الماء منه كله حتى إذا أصبحت صببت عليه من الماء بقدر ما يغمره إلى أن قال ثم تغليه بالنار ولا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث الحديث وقريب منها الثانية والخبر شكوت إلى الصادق ع قراقر بطني يصيبني في معدتي وقلة استمرائي الطعام فقال لي لم لا تتخذ شيئا نشربه نحن إلى أن قال تأخذ صاعا من زبيب إلى أن قال ثم يطبخه رقيقا حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه إلى أن قال في إلى أن قال في آخر الخبر وهو شراب لا يتغير إذا بقي وذلك فإنه لا يلزم من الأمر بطبخه على الثلث أن يكون لأجل حليته بعد حرمته إن حرم بالغليان بل يجوز أن يكون لئلا يصير مسكرا كما يدل عليه قوله ع في آخر الرواية الأخيرة وهو شراب لا يتغير إذا بقي ويجوز أن يكون لأجل أن الخاصية والنفع المترتب عليه لا يحصل إلا بطبخه على الوجه المذكور كما ورد مثله في بعض النصوص كتبت إليه ع عندنا شراب يسمى الميبة نعمد إلى السفرجل فنقشره ونلقيه في الماء ثم نعمد إلى العصير فنطبخه على الثلث ثم ندق ذلك السفرجل ونأخذ ماءه ثم نعمد إلى ماء هذا الثلث وهذا السفرجل إلى أن قال فنطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه أيحل شربه فكتب لا بأس به ما لم يتغير فتدبر نعم ربما يلوح التحريم من بعض ألفاظ الموثقين كقول الراوي يطبخ حتى يصير حلالا وقوله ع وإذا كان في أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور اه فإن النشيش هو صوت الغليان والظاهر من المحافظة عليه بأن لا ينش ليس إلا لخوف تحريمه بالغليان إلا أنه يمكن أن يقال إن قوله كيف يطبخ حتى يصير حلالا إنما هو من الراوي في سؤاله ولا حجية فيه إلا من حيث تقرير المعصوم ع له على فهمه وهو وإن كان حجة إلا أن في بلوغه درجة تخصيص الأدلة نوع مناقشة سيما مع أن أكثر ما ذكر في الكيفية بل كله عدا الغلي حتى يذهب الثلثان لا دخل له في الحلية إجماعا وأما قوله حتى لا ينش فإن فيه أنه بعد ذلك أمر بغليانه حتى يذهب ثلثاه فهو وإن حرم بالنشيش فلا مانع منه لتعقبه بالغليان الموجب للتحليل بعد ذلك وحينئذ فلعل المحافظة عليه من النشيش إنما هو لغرض آخر لا لأنه يحرم بعد ذلك فإنه وإن حرم لكن لا منافاة فيه بعد غلية إلى ذهاب الثلثين المأمور به ثانيا وحينئذ لا فرق في حصول التحريم فيه في وقت النشيش ولا وقت الغليان أخيرا ولعله لهذا أعرض عن هذه الأخبار متأخرو الأصحاب ولم يذكروها دليلا على التحريم في شيء من المقامين بل إنما اقتصروا في دعوى إثباته في بيان وجه التردد في التمري على دعوى إطلاق اسم النبيذ عليه أو مشابهته لعصير العنب وفي الزبيبي على دعوى اشتراكه مع العنبي في أصل الحقيقة وفحوى بعض النصوص كالخبر عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث ثم يوضع فيشرب منه السنة قال لا بأس به وهذه الأدلة أيضا في غاية من الضعف لمنع صدق اسم النبيذ على مطلق عصير التمر حقيقة ومنع القياس والمشابهة والشركة في أصل الحقيقة لا تقتضي الشركة في الحرمة بعد اختصاص ما دل عليها من الفتوى والرواية بالعصير العنبي خاصة والرواية ضعيفة سندا ودلالة بنحو ما مر إليه الإشارة في الموثقتين الأخيرتين هذا مضافا إلى إشعار النصوص الواردة في علة تحريم العصير باختصاص الحرمة بالعنبي دون الزبيبي لظهورها في أن العلة إنما هي شركة إبليس في شجرة الكرم وثمرته بالثلثين وأنه إذا ذهب نصيبه منها حل الباقي ولا ريب أن الزبيب قد ذهب ثلثاه وزيادة بالشمس وبهذا مضافا إلى ما مضى من أصالة الإباحة وغيرها استدل الشهيدان وغيرهما على إباحته وهي قوي جدا وأما ما يورد عليه بأن ذهاب الثلثين بالشمس إنما يتم إذا كان قد نش بالشمس أو غلى حتى يحرم ثم يحل بعد ذلك بذهاب الثلثين والغليان بالشمس غير معلوم فضلا عن النشيش وهو صوت الغليان وأما ما جف بغير الشمس فلا غليان فيه فلا وجه لتحريمه حتى يحتاج إلى التحليل بذهاب الثلثين على أن إطلاق العصير على ما حبات العنب كما ترى فضعيف بابتنائه على دلالة تلك النصوص أو غيرها على اعتبار كون ذهاب الثلثين بعد الغليان وحصول التحريم وأنه لو ذهبا قبله لا يعبأ به وهو كما ترى إذ لا أثر له فيها بل ظاهرها اعتبار ذهاب الثلثين مطلقا بعد الغلي كان أم لا هذا وأما ما ربما يستدل به للحرمة في التمري والزبيبي من عموم قوله كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فلا ينبغي الإصغاء إليه ولا العروج في مقام التحقيق عليه لأن حمله على العموم مخالف للإجماع قطعا والبناء على التخصيص وكون العام فيما عداها حجة حسن إن كان الباقي أكثر والحال أن الأمر العكس ومثله ليس بحجة على الأصح فينبغي صرفه إلى معهود وهو إما عصير العنب خاصة كما هو ظاهر الأصحاب كافة واعترف به جماعة أو هو في الجملة من غير أن يعلم دخول عصير غيره فيه وعدمه ومقتضى هذا القطع بإرادة عصير العنبي والتردد في غيره ومعه لا يمكن صرف العموم إليه فضلا أن يدعى كونه التمري والزبيبي هذا مع أن المستفاد من النصوص المتقدمة الدالة على أن الخمر من خمسة العصير من الكرم إلى الآخر كون العصير في عرفهم ع اسما لما يؤخذ من العنب خاصة وأن ما يقال خذ من التمر إنما يسمى بالنبيذ وما يؤخذ من الزبيب يسمى بالنقيع قيل وهذا هو الذي يساعده العرف أيضا فإنه لا يخفى أن العصير فيه إنما يطلق على المأخوذ من الأجسام التي فيها مائية لاستخراج الماء منها كالعنب والرمان مثلا وأما الأجسام الصلبة التي فيها حلاوة أو حموضة ويراد استخراج حلاوتها أو حموضتها مثل التمر